الحمد لله الواحد المعبود . عم بحكمته الوجود ، و شملت رحمته كل موجود . أحمده سبحانه و أشكره و هو بكل لسان محمود . و أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له . و أشهد أن سيدنا و نبينا محمداً عبده و رسوله ، صاحب المقام المحمود ، و الحوض المورود . صلى الله و سلم و بارك عليه و على آله و أصحابه الأتقياء الركع السجود ، و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى اليوم الموعود .
أما بعد :
فأوصيكم أيها الناس و نفسي بتقوى الله عز و جل فقد أمركم ربكم بالتقوى ، و استمسكوا من حبله المتين بالعروة الوثقى ، و اخشوه و راقبوه فهو يعلم السر و أخفى .
أيها المسلمون : شؤون الأمم شتى . و من أعز شؤونها مكارم الأخلاق . و حقوق الناس عظمى ، و من أعظمها القيام على محاسن الآداب .
الأخلاق ذات أثر جلي في صلاح أمر الشعوب و انتظام أحوالها ، و التعامل الحسن بين الناس دعامة كبرى من دعامات السعادة و راحة البال .
الأخلاق الحسنة لا تنبع إلا من نفوس طيبة و طبائع كريمة تميز بين الأدب و الملق ، و الصدق و الكذب ، و الحق و الباطل .
و رسالات أنبياء الله عليهم الصلاة و السلام لها نصيب
وافر من الاهتمام بالأخلاق و تزكية النفوس ، و الدعوة إلى الاستمساك بمحاسن الآداب .
و قد وصف الله نبيه محمداً صلى الله عليه و سلم بقوله : " وإنك لعلى خلق عظيم " و قوله : " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " و قوله : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " .
و الأخلاق الفاضلة مقرونة بأدب المعاملة و حسن السلوك . أدب رفيع و تعامل حسن يقوم على التمييز و الفهم ، و الكياسة و الفطنة ، و الذوق السليم ، و تقدير المناسبات ، و ملاءمة الظروف .
و البيئة التي ينشأ فيها المرء لها أثر كبير في تحديد السلوك و تهذيبه ، فبيئة الفسق و الظلم و الجهل و الفقر و المرض يختلف سلوك أهلها عن سلوك بيئة الصلاح و العلم و حسن المعيشة و الصحة و طهارة المجتمع حتى قيل : إن الجهال يجيزون ما لا يجوز لأنهم لا يدركون وجه الضرر فيما يأتون . و أهل التهذيب و الإيمان من عباد الرحمن : " يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " ، " لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما " .
بل إن العبادات على جلالة قدرها و عظم أثرها شرعت مرتبطة بآداب مطلوب التزامها و رعايتها ، فمن آداب الصلاة التطهر في الثوب و البدن و البقعة ، و المشي إليها ، بالسكينة و الوقار و لزوم الخشوع و القنوت . و للزكاة آدابها في حق المعطي و الآخذ و لا تنسى آداب الصيام و الحج . و آداب التعامل في بر الوالدين و صلة الأرحام و حقوق الأصدقاء و الأصحاب .
و لقد قال ربكم في محكم تنزيله : " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " فيا ترى هل تختلف التحية باختلاف المستويات بين الذي يحي بعضهم بعضا ؟؟ ما بين تحية السلطان و تحية العالم و تحية الوالد و تحية ذي الشيبة الكبير و تحية عابر السبيل . لعل للأدب و الفروق هنا مدخلاً ، و لرعاية الأوضاع و الأحوال تعبيراً .
إن الأدب هو القالب الذي تقدم به الأخلاق ، و هو المسلك الذي يسير عليه المرء في تصرفاته الشخصية و تعامله مع الناس . يقول الشعبي رحمه الله : الأدب أكرم الجواهر طبيعة . يرفع الأحساب الوضيعة . فالبسوه حلة ، و تزينوا به حلية ، فهو للفقير مال ، و للغني جمال ، و للحكيم كمال . و المرء بفضيلته لا بفصيلته ، و بكماله لا بجماله ، و بآدابه لا بثيابه .
و لكي يتجلى هذا الأمر و يستبين ـ أيها الإخوة ـ فهذا عرض لجانب تطبيقي لا يكاد ينفك عنه أحد من البشر ، بل إنه مظهر من مظاهر امتحان الأخلاق ، و اختبار الأدب ، و فحص حسن التعامل مع النفس و مع الغير .
إنه حديث الصحبة و الصداقة و حسن اختيارها و كيفية أداء حقوقها و حفظ واجباتها .
الصحبة و الصداقة عاطفة سامية القدر ، و نعمة غزيرة المآثر . و في شرعنا المطهر ترغيب في أن تكون المعاملة بين أهل الإسلام معاملة أخوة ، و علاقة محبة ، و رابطة صداقة : " إنما المؤمنون إخوة " . " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " . " و المسلم أخو المسلم " و تترقى الأخوة بين المسلمين حتى يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه ، ثم تترقى حتى يؤثر أخاه على نفسه و لو كان به حاجة " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " و في حديث صحيح الإسناد : " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه " . و لقاء الإخوان . جلاء الأحزان ، و الرجل يسعد بمصاحبة السعيد . و يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إذا رزقك الله مودة امرىء مسلم فتشبث بها . و قالت الحكماء : أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان . و أعجز منه من ضيع من ظفر به منهم . و من ذا يعيش من غير أصدقاء و أصحاب يشاطرونه أفراحه و يشاركونه أتراحه . ففي الصداقة ابتهاج القلب عند اللقاء ، و لذة النفس حين المحادثة . و المرء إذا كثرت أصدقاؤه كانت ألسنتهم داحضة لما يرمى به من مزاعم ، و أيديهم واقية له من الأذى . و ما يدفع الحسد و العدوان بمثل الاستكثار من الأصدقاء . فهم عماد إذا استنجدتهم ، و ظهور إذا احتجتهم .
و الصديق قد يبلغ من المنزلة ما لا يبلغه القريب . و لقد قال المجرمون في أشد ساعات الكرب : " فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم " قال الأقدمون : رب أخ لك لم تلده أمك . و سئل خالد بن صفوان : أخوك أحب إليك أم صديقك ؟ فقال : إن أخي إذا كان غير صديق لم أحبه .
و قد ذكر أهل العلم و الأدب جملة من النعوت و الأوصاف ، و الآداب و الخلال يعرف بها الأصحاب في حسن مناقبهم ، و الخلان في مستحسن مذاهبهم . يجمل بالمرء أن يعرفها و يعرض آدبه و حسن خلقه كما يختبر بها الناس في مسالكهم و تعاملهم .
و أول ذلك إدراك أن الصاحب رقعة الثوب فلينظر الإنسان بم يرقع ثوبه . و لقد جسد ذلك نبيكم محمد صلى الله عليه و سلم بقوله : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " أخرجه أبو داود بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
و عند أبي داود و الترمذي بسند لا بأس به : " لا تصاحب إلا مؤمناً و لا يأكل طعامك إلا تقي " . فميزان الإنسان أصدقاؤه فمن صاحب الفساق و المبتدعة تسابقت إليه الظنون ، أنه راض عن الابتداع غير متحرج من الفسوق . و قاعدة المحبة و بناؤها ، و حفظها و صيانتها أن تحب في الله و تبغض في الله ، فولاية الله لا تنال إلا بذلك ، و من صارت مؤاخاته لأمر الدنيا فلن يغنيه ذلك شيئاً .
و قد قال بعض السلف : ما كنت لأقول لرجل إني أحبك في الله فأمنعه شيئاً من الدنيا . و قال بعضهم : إن لا أستحي من الله أن أسأل الجنة لأخ من إخواني ثم أبخل عنه بدينار أو درهم .
فإذا ما صاحبت قوماً فاصحب منهم الأخيار أولي التقى و لا تصحب فيهم الأردى . و إخوان الثقات هم الذخائر من الصالحين و أهل المروءة و الورع و العلم و الأدب . و ذو الحظ العظيم من يخالط أهل الفقه و الحكمة و يجانب أهل الشر و المعصية و البدعة .
صحبة تضم مجموعة من الفضلاء و نخبة من النبلاء ، تجد الصداقة فيهم قلوباً طيبة و نفوساً منشرحة ، تنبت نباتاً حسناً ، و تثمر ثمراً يانعاً . إخوان و أصحاب بهم ـ بإذن الله ـ يفتح عسر الأغلاق ، و يتألف متنافر الأخلاق . لا يطمع في عيبهم عائب ، و لا يقدر على مثالبهم طالب . الواحد منهم حامل مسك يهديك إلى الحق ، و يدلك على الخير ، لا ترى منه إلا المحامد و المكارم .
من جميل أخلاقهم السائدة فيما بينهم : البشاشة إذا تراءوا . و المصافحة إذا تلاقوا . يأخذون بحسن الحديث إذا تحدثوا ، و حسن الاستماع إذا حدثوا ، و بأيسر المؤنة إذا خولفوا ، تاركين مجاوبة اللئيم ، و مماراة السفيه ، و منازعة اللحوح ، و مخاصمة اللجوج .
إن من نعم الله على عبده في دنياه أن يهبه صديقاً مخلصاً لطيف القول ، واسع العلم ، قليل المخالفة ، كثير الموافقة ، عظيم المساعدة ، كتوم السر ، كثير البر ، صادق الوداد ، سهل الانقياد ، واسع الصدر ، جميل الصبر ، باذل النصيحة ، ساتر القبيحة . إن غبت عنه عذرك ، و إن جئت إليه قبلك ، لا ينم بسريرة ، و لا يظهر خبيئة ، لا يضرب بين اثنين ، و لا يفسد بين خليلين ، لا يتحلى بالكذب ، و لا يستهدف للريب ، و لا يجاهر بالنقائص . لا يسأل عما روي عنه ، و لا يتكلم فيما حجب عنه ، لا يدخل على أحد في حديثه ، و لا يتطلع على قارىء في كتابه ، و لا يقطع على متكلم كلامه . يجمع بين طلاقة الوجه ، و حسن التودد ، و قضاء الحوائج . إن لقي صديقك استزاده لك ، و إن لقي عدوك كفه عنك . لا تخشى بوائقه ، و لا تختلف طرائقه .
هؤلاء هم إخوان الود و الصفاء ، و البر و الوفاء ، يتبادلون النكت الملاح ، بألفاظ مهذبة صحاح ، يتعطفون بها القلوب ، و يسترون بها العيوب ، و يستقيلون بها العثرات ، و يستدركون بها الهفوات ، لهم رقة في الطبع ، و ملاحظة في الأمور ، و حسن مداراة ، و جميل ترفق . يوردون الأمور مواردها و يصدرونها مصادرها .
هذه نعوت و صفات إذا ظفرت بها أو بكثير منها في صاحبك فاحفظ وده ، وارع حقه ، و قم على مصالحه ، و حافظ على محبته ، بادره بالسلام ، وادعه بأحب الأسماء إليه . إذا دنا رحبت به ، و إذا جلس وسعت له ، و إذا حدث أقبلت عليه . و إذا غاب دعوت له و حفظته في أهله . إن كان شاهداً زرته ، و إن كان مريضاً عدته .
يقول أبو حنيفة رحمه الله : من مرض من إخوانك فعده بنفسك ، و تعاهده برسلك ، و من قعد منهم فلا تقعد عنه .
و سئل بعض الحكماء : من أضيق الناس طريقاً و أقلهم صديقاً ؟ قال : من عاشر الناس بعبوس وجهه ، و استطال عليهم بثقل نفسه . و ما تزين رجل بزينة أفضل من عفاف بطنه .
إنها تصرفات و آداب تقوم على اللباقة و اللياقة و جمال الذوق و لطف التهذيب . و لقد علم الباحثون في طبائع البشر و دلتهم التجارب و صروف الحياة أن الصديق و لو بلغت صداقته المنتهى قد يظهر من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة ، فلو أخذت تهجر من إخوانك كل من صدرت منه هفوة أو بدرت منه زلة لم تلبث أن تفقدهم جميعاً ، و لا يبقى لك على ظهر الأرض صديق غير نفسك التي بين جنبيك ، بل لعلك أن تتبرم منها و تضيق . و من ذهب يتتبع عثرات إخوانه فسوف يجدها ، و لن يسلم له بذلك في دهره صاحب . و لكن عليك ألا يكن حبك كلفاً ، و لا غضبك تلفاً ، فشرط دوام الألفة ترك التشدد و الكلفة ، فلا تقطع أخاك على ارتياب ، و لا تهجره دون استعتاب . و قد سئل معاوية رضي الله عنه : ما النذالة ؟
قال : الجرأة على الصديق و النكول عن العدو . و قال الأحنف بن قيس : حق الصديق أن تحتمل له ثلاث ظلامات : ظلم الغضب ، و ظلم الدالة ، و ظلم الهفوة . و من تناسى مساوىء الإخوان دام له ودهم . و كثرة العتاب تورث البغضاء . على أن من المعلوم أن المعاتبة الرفيقة خير من خسران الأصدقاء فظاهر العتاب خير من باطن الحقد . و من طرائفهم ما حدث به محمد بن مناذر قال : كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شسع نعلي فخلع الخليل نعله ، فقلت ما تصنع ؟ قال : أواسيك في الحفاء .
و بعد أيها الإخوة : فلن يعرف الفتى جميل مواهب الأصحاب إلا بسلوك طرائق المروءة . و علاقات الأصحاب لا يحفظها و لا يوثقها إلا الأمانة و تبادل الثقة و سمو الخلق . و الأصحاب لا ينالون ما يحبون إلا بالصبر على ما يكرهون ، و لا يبلغون ما يهوون إلا بترك ما يشتهون . فأحبوا هوناً ، و أبغضوا هوناً ، فقد فرط أقوام في حب أقوام فهلكوا ، و أفرط أقوام في بغض أقوام فهلكوا . و الناس أشكال ، و كل مع شاكلته ، فالحمام مع الحمام ، و الغربان مع الغربان ، و الأصدقاء يعرفون من نظرات العيون و أساليب الخطاب و حروف الرسائل .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
" والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم